حيدر حب الله
49
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
صلاحياته ، وكان هذا حكماً أولياً ، كشف ذلك - عرفاً وعقلائياً - عن الإلزام على المستوى الأولي في حقّ المحتكر أيضاً . وعليه ، فإشكال المحقق الإصفهاني من هذه الزاوية في محلّه ، ومن ثمّ لا يصحّ الاستدلال على حرمة الاحتكار بالترخيص للحاكم في الإجبار على البيع . الدليل الخامس : ما ذكره بعض فقهاء أهل السنّة ، من أن الاحتكار ظلمٌ ، وذلك أنّ ما هو موجود في المصر قد تعلّق به حقّ العامّة ، فالحبس منع للعامّة من حقّهم ، فيكون ظلماً ، والظلم محرّم « 1 » . وكأنّ هذا الدليل يريد أن يجعل دخول سلعةٍ في سوق مدينةٍ من المدن يصيّر هذه السلعةَ مورداً للحقّ العام لا الخاص ، ولا يقصد بذلك خروجها من الملكية الخاصّة إلى الملكية العامة ، وإنما تعلّق حقّ لهم بتوفرها بين أيديهم ولو مقابل ثمن ، من هنا فلا معنى للإشكال الذي ذكره بعضهم هنا بأنه لا دليل على ثبوت ملكية أو سلطنة للعامة على ما ملكه الفرد بالملكية الخاصّة ، وأنّ مبادئ التعاون والتعاضد والتكافل غاية ما تفيد رجحان البذل لا وجوبه مع حرمة الاحتكار « 2 » . وعليه ، لا يبعد صحّة هذا الدليل هنا ، بمعنى أنّ الارتكاز العقلائي في مجال الحاجيات الضرورية في السلع قائمٌ على المنع من الاحتكار ، إذا كانت معروضةً في السوق ، ثم قام شخص بجمعها واحتكارها ، وليس هذا المنع إلا لأنّ الذهن العقلائي يرى للناس حقاً في هذه السلعة أن تعرض في الأسواق ، ولذلك يمكن أخذ البناء العقلائي هنا معيناً في توضيح جهة الحقّ العام هنا ، بما لا يضرّ بملكية
--> ( 1 ) راجع : بدائع الصنائع 5 : 129 ؛ والقادري الحنفي ، تكملة البحر الرائق 2 : 370 ؛ وحاشية ردّ المحتار 6 : 719 . ( 2 ) شمس الدين ، الاحتكار : 179 .